
ساقتني قدماي إلى قسم شرطة الحتانة على مدى ستة أيام متواصلة. فخرجت بانطباع راسخ مفاده أن مقولة الشرطة في خدمة الشعب ليست شعارا” يرفع. وإنما واقع يعاش. وسلوك يمارس. ورسالة يؤديها رجال آمنوا بأن خدمة المواطن شرف قبل أن تكون واجبا”.
فما إن تطأ قدماك القسم حتى تستقبلك البشاشة قبل الكلمات. والترحاب قبل الإجراءات. وتشعر أن حسن المعاملة جزء أصيل من ثقافة القسم.
فإذا قابلت مدير القسم وجدت بشاشة الوجه. ورحابة الصدر. وكرم الاستقبال. فتدرك أن القيادة الحقيقية هي التي تجمع بين الحزم والإنسانية.
وعند الرائد تستوقفك حلاوة كلمة الحاج. فهي ليست مجرد لفظ عابر. بل رسالة احترام وتقدير تسبق أي حديث.
أما جنابو متوكل فتسمع منه كلمة أبوي بمشاعر صادقة. تعكس أصالة المجتمع السوداني. وتزرع في النفس شعورا” بالألفة والطمأنينة.
وكذلك جنابو ود المكي. الذي يجمع بين جمال الابتسامة. ولطف المعاملة. وعذوبة كلمة أبوي. فتشعر أن الاحترام لديه خلق راسخ لا تصنعه المناسبات.
أما جنابو فؤاد فهو عنوان للرجولة والشهامة. يجمع بين طيب الكلمة. وجمال الابتسامة. وحضور يشهد له بالمواقف النبيلة التي تسبق الأقوال.
ويأتي الابن محمد حمزة. الذي يناديك بالخال. فتشعر بدفء القرابة. مقرونا” بما يتحلى به من شهامة. ورجولة وشجاعة . وإخلاص في أداء واجبه.
وللرتب العسكرية هيبتها. لكنها في هذا القسم اكتسبت هيبة أخرى. هيبة الأخلاق. والتواضع. والرحمة. فازدانت النجوم والشارات بحسن المعاملة. وأصبحت الرتبة قيمة تقاس بما تقدمه للناس. لا بما تحمله على الكتف.
وفي القسم فتية حافظين لوح مهنتهم بمهارة ودرجة عالية من التجويد والاتقان يستحقون الإشادة على سبيل المثال لا الحصر. ود السماني. ود عبدالله. ود بلال. مجاهد. محمد ود جاد الله. ميرغني والتجاني ومن اخوات نسيبه عبله. ومن سقط اسمه سهوًا فله العتبى حتى يرضى. هؤلاء شباب إذا حضر الواجب حضروا. وإذا نادى الوطن لبوا. يحملون الشجاعة في قلوبهم. والانضباط في سلوكهم. والإنسانية في تعاملهم. ويجسدون قول النبي صلى الله عليه وسلم. ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا. فترى الرحمة مع الصغير. والوقار للكبير. والنجدة للمحتاج. والبشاشة للجميع.
أما العمل داخل القسم فهو أشبه بخلية نحل لا تعرف الكسل ولا التوقف. كل فرد يعرف دوره. وكل حركة محسوبة. في لوحة من التعاون والانضباط والإخلاص. حتى يخيل إليك أن عقارب الساعة هناك تتحرك على إيقاع خدمة المواطن. إنها خلية نحل. غير أن عسلها ليس شهدا”. وإنما أمن. وطمأنينة. وعدالة. وحسن معاملة.
وهذه الكلمات ليست مجاملة. وإنما شهادة حق. والحق أحق أن يقال. فلكل من ذكرت اسمه. ولكل من سقط اسمه سهوًا. خالص التقدير والامتنان. لقد أثبتم أن رجل الشرطة لا تعرف قيمته بقوة القانون وحدها. وإنما أيضا” برحمة القلب. وصدق الكلمة. وحسن الخلق. وأن العين الساهرة لا تحرس الأمن فحسب. بل تحرس كذلك كرامة الإنسان. ليبقى المواطن مطمئنًا. ويبقى الوطن آمنا”.

